محمد بيومي مهران

18

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

غير أن القوم لجوا في عنادهم ، وأجابوه بأربع حجج ، ظنوا كذبا أنها داحضة ، الأولى : أنه بشر مثلهم ، فساووه بأنفسهم في الجملة ، وهذا يدل على أنه عليه السلام كان من طبقتهم أو ما يقرب منها في بيته وفي شخصه ، وهكذا كان كل رسول من وسط قومه « 1 » ، ووجه الجواب : أن المسألة تنافي دعوى تفوق أحد المتساويين على الآخر ، بجعل أحدهما تابعا طائعا ، والآخر متبوعا مطاعا ، لأنه ترجيح بغير مرجح . والثانية : أنه لم يتبعه منهم إلا أرذلهم في الطبقة والمكانة الاجتماعية « بادي الرأي » لا بديل من العقل والعلم ، وبهذا تنتفي المساواة فينزل هو عن

--> ( 1 ) من المعروف أنه من فضل اللّه تعالى على رسله وأنبيائه ، وسنته في اصطفائهم أن يختارهم من أكرم البيوت وأشرف الظهور ، وأطهر البطون وأبعدها عن الدنايا ، وألصقها بمكارم الأخلاق ، على ما يقوله اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ، ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، وعلى ما يقول جل شأنه : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ . وقد بيّن سيدنا وملانا وجدنا محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، هذا المعنى بقوله الشريف ، فيما رواه مسلم والترمذي ، « إن اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم ، فأنا خيار من خيار » ، وأخرج ابن مردوية عن أنس أنه قال : « قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، « لقد جاءكم من أنفسكم ، بفتح الفاء » ، وقال : « أنا أنفسكم نسبا وصهرا وحسبا » ، وروى الحاكم والبيهقي عن عائشة إنها قالت ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : قال لي جبريل قلبت الأرض من مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد ، وقلبت الأرض من مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم ( ورواه أيضا الطبراني في الأوسط وابن عساكر ) . وفي الواقع فلقد كان بنو هاشم في ميزان المجتمع العربي سادته وقادته وأشرافه ، وكانوا في ميزان القيم أجود الناس كفا ، وأوفاهم ذمة ، وأنداهم عطاء ، وأكثرهم في سبيل الخير بلاء ، وأحماهم للذمار ، وبكلمة واحدة هم في قومهم وزمانهم ضمير أولئك القوم وذلك الزمان ، وهكذا كان بنو هاشم ، كما يقول ابن تيمية ، أفضل قريش ، وقريش أفضل العرب ، والعرب أفضل بني آدم ، وهكذا كان منبت النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، كما يقول الأستاذ الغزالي ، في أسرة لها شأنها ، بعض ما أعده اللّه لرسالته من نجاح ، ولعل هذا كله يبيّن لنا الحكمة في اختيار الرسل من أواسط أقوامهم ، ومن الجبهة القوية فيهم ، حتى يكونوا لهم سندا وعضدا ، ضد سفاهة السفهاء وبغي الباغين ، ( انظر التفصيلات : محمد بيومي مهران : في رحاب النبي وآل البيت الطاهرين - الجزء الأول - السيرة النبوية الشريفة - الكتاب الأول ) .